صديق الحسيني القنوجي البخاري

226

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقال مجاهد وابن جريج وقتادة : أرادوا به إبليس ، عن أبي موسى الأشعري مرفوعا « قال إبليس » ، أخرجه ابن مردويه والديلمي قال السيوطي بسند واه ، والشطط الغلو في الكفر ، وقال أبو مالك الجور وقال الكلبي الكذب ، وأصله البعد عن القصد ومجاوزة الحد . وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً أي إنا حسبنا أن الإنس والجن كانوا لا يكذبون على اللّه بأن له شريكا وصاحبة وولدا ، فلذلك صدقناهم في ذلك حتى سمعنا القرآن فعلمنا بطلان قولهم ، وبطلان ما كنا نظنه بهم من الصدق ، وانتصاب كذبا على أنه مصدر مؤكد ليقول ، لأن الكذب نوع من القول أو صفة لمصدر محذوف أي قولا كذبا ، وقرىء أن لن تقول من التقول فعلى هذا كذبا مفعول به . وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ في الجاهلية مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ أي يستعيذون بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ حين ينزلون في سفرهم بمخوف ، قال الحسن وابن زيد وغيرهما : كان العرب إذا نزل الرجل بواد قال أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه ، فيبيت في جواره حتى يصبح ، فنزلت هذه الآية ، قال مقاتل : كان أول من تعوذ بالجن قوم من أهل اليمن ثم من بني حنيفة ثم فشا ذلك في العرب ، فلما جاء الإسلام عاذوا باللّه وتركوهم . وعن عكرمة بن أبي السائب الأنصاري « قال خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة وذلك أول ما ذكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمكة فآوانا المبيت إلى راعي غنم ، فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملا من الغنم فوثب الراعي فقال يا عامر الوادي أنا جارك ، فنادى مناد يا سرحان أرسله فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم ، وأنزل اللّه على رسوله بمكة وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ الآية وذكر ابن الجوزي في تفسيره بغير سند . فَزادُوهُمْ أي زاد رجال الجن من يعوذ بهم من رجال الإنس ، أو زاد المستعيذون من رجال الإنس من استعاذوا بهم من رجال الجن رَهَقاً لأن المستعاذ بهم كانوا يقولون سدنا الجن والإنس ، وبالأول قال مجاهد وقتادة وبالثاني قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس وابن زيد . والرهق في كلام العرب الإثم وغشيان المحارم ، ورجل رهق إذا كان كذلك ، ومنه قوله : تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ [ القلم : 43 ] أي تغشاهم وقيل الرهق الخوف أي أن الجن زادت الإنس بهذا التعوذ بهم خوفا منهم ، وقيل كان الرجل من الإنس يقول أعوذ بفلان من سادات العرب من جن هذا الوادي . ويؤيد هذا ما قيل من أن لفظ رجال لا يطلق على الجن فيكون قوله برجال وصفا لمن يستعيذون به من رجال الإنس أي يعوذون بهم من شر الجن ، وهذا فيه بعد ، وإطلاق لفظ رجال على الجن على تسليم عدم صحته لغة لا مانع من إطلاقه